الشيخ السبحاني

188

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

بقي هنا نكتتان هامتان يجب التنبيه عليهما : الأولى : قد عرفت عناية النبي وأئمة أهل البيت ( عليهم السّلام ) بالإيمان بالقدر ، وأنّ المؤمن لا يكون مؤمنا إلا بالإيمان به ، فما وجه هذه العناية ؟ . والجواب : إنّ التقدير والقضاء العينيين من شعب الخلقة ، وقد عرفت أنّ من مراتب التوحيد ، التوحيد في الخالقية وأنه ليس على صفحة الوجود خالق مستقل سواه . ولو وصفت بعض الأشياء بالخالقية ، فإنما هي خالقية ظليّة تنتهي إلى خالقيته سبحانه ، انتهاء سلسلة الأسباب والمسببات إليه . ولما كان القدر العيني ، تأثر الشيء عن علله وظروفه الزمانية والمكانية ، وانصباغه بصفة خاصة فهو نوع تخلّق وتكوّن للشيء فلا محالة يكون المقدّر والمكوّن هو اللّه سبحانه . ولما كان القضاء العيني ، هو ضرورة تحققه ولزوم وجوده ، فهو عبارة أخرى عن الخلقة الواجبة اللازمة ، فلا محالة يستند إليه سبحانه . فلأجل ذلك ترى أنه سبحانه تارة يسند التقدير إلى نفسه ويقول : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 1 » ويقول الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى « 2 » . وأخرى يسند القضاء ويقول : فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 3 » ويقول : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ « 4 » . فبما أنّ التقدير والقضاء عبارة أخرى عن كيفية الخلقة ، فلا يوجد شيء في صفحة الوجود إلا بهما ، وإلى ذلك يشير ما تقدم من الإمام الصادق

--> ( 1 ) سورة الطّلاق : الآية 3 . ( 2 ) سورة الأعلى : الآية 3 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 117 . ( 4 ) سورة فصلت : الآية 12 .